إذا وقعت شجرة في غابة ولم يكن أحد موجوداً ليسمعها، هل تصدر صوتاً؟

سألت نفسي هذا السؤال مراراً وتكراراً حول العمل الذي قمت به وحدي في بيتي الصغير في برلين خلال الأربع سنين الماضية. الوقت والجهد الذي انفقته في البحث والتشكيك والتحليل وتوليف المعرفة لعملي في الكوتشينغ. أو الوقت والجهد الذي انفقته في فهم نفسي وتجاربي الماضية والحالية، في لحظات اليأس، وخيبات الأمل، في لحظات الخسارة والفراق والإساءة العاطفية والانتقال لمدينة جديدة. إذا لم يكن هناك من شاهد يشهد عليّ، هل صدر مني صوت؟

المشكلة في هذه المعضلة الفلسفية، وفي تطبيقي إياها على عملي، انها تفترض أن الاستقبال، وبالتالي مستقبِل خارجي، هو المقياس الحاسم للصوت. ومع ذلك، التجربة نفسها تحمل تناقضاً. فهي تنص إن للصوت ثلاثة عناصر: خلق، ونقل، واستقبال. لكن السؤال يختزل تلك العناصر في الاستقبال فقط، بفرضية: بلا مستقبِل خارجي: طبلة أذن أو دماغ يترجم الموجات، ما هي إلا اهتزاز فيزيائي، وليس “صوتاً كما نعرفه”. وعليه الاستقبال هو المقياس الحاسم الذي يجعل الصوت ممكناً.

وهنا اعيد سؤالي ثانية: إذا لم يكن هناك من شاهد يشهد عليّ، هل صدر مني صوت؟

وإذا لم يصدر مني صوتاً، ما عن  الأثر؟ وإذا لم هناك أثر، كيف تحسب قيمة أي عمل قمت به إذا لم يره أحد؟ ماذا عن جهد حمل عناء الحزن والحيرة والرثاء والافتقاد والقلق والخوف والارق، او الكدح لايجاد سبل لمعالجته؟ او التفكير بكل كلمة قبل النطق لحساب كلفة الأمان في شوارع وغرف تضع حواجز وحدود عنصرية وتمييزية وتخلع عني وعن من يشبهني انسانيتنا؟

من قرر إن قيمة هذا العمل المضني لا تقاس بدون مستقبِل خارجي، او ”شاهد“؟ ومن قرر ان المستقبِل الخارجي هو شرط الاعتراف بالقيمة؟ ومين يمتلك سلطة هذا الاعتراف؟ وماذا و من تهمّش هذه السلطة او ترفض الاعتراف به؟

لنفهم ذلك، علينا ان نعرف أي جهد يحتسب كعمل ذو قيمة، ومن قِبَل من، ولماذا.

يعرّف الاقتصاد السياسي العمل أساساً كجهد إنساني – جسدي أو ذهني أو إبداعي – يُبذل لإنتاج قيمة اقتصادية في شكل سلع وخدمات. بهذا التعريف، الجهد ايضا بحاجة لمستقبِل خارجي يعترف به، بحاجة لمنظومة من أسواق وأصحاب عمل ومؤسسات، تعطيه قيمته ثم تترجم هذه القيمة ماديا. وعلى هذه القيمة ان تلتزم بما هو ”عالمياً“ متوافق على اهميته الاجتماعية.

وبينما هذا التعريف يعترف بالجهد، إلا إنه يقيس قيمته فقط من خلال الناتج: السلع أو الخدمات المنتجة. مثل صوت الشجرة, عناصر الصوت موجودة، لكن الصوت لا يتحقق إلا باستقباله.

إذاً، الجهد ليعتبر عملاً عليه ان ينتج ما يُعتبر بـ ”توافق عالمي“ يستحق الإنتاج.

المؤسسات التعليمية كالمدارس والجامعات تعمل  بمنطق مشابه: الجهد يحتسب فقط عندما ينتج ما قررت المؤسسة مسبقاً إنه مهم. تحسب هذه المؤسسات رصيد المقررات بناءً على الوقت: ٢٠٠ إلى ٢٥٠ ساعة تقريباً للمادة الواحدة، شاملة وقت الصف والدراسة المستقلة. العمل يحتسب مقابل مدة زمنية محددة، لكن لا يتحوّل  الى “رصيد” إلا بناءً على ناتج محدد: اكتساب المعرفة التي تقيّم عبر اختبارات موحدة.

ولكن من يشمل ذلك ”التوافق العالمي“ الذي يقرر أي عمل مهم اجتماعياً؟ ومن وماذا تستقصي او تختزل تلك العالمية؟

وبعد ما تمت تنشئتنا طوال عمرنا من قِبَل منظومات التعلم والعمل لنقيس قيمة جهدنا فقط من خلال مستقبِل خارجي يعترف فقط بناتج “موحد عالمياً”، كيف لنا ان نعطي قيمة لجهدنا عندما لا يرانا احد؟ وكيف لنا ان نفهم وندرك قيمة جهدنا بمعيار عالمي لطالما فشل ان يحتوينا بكامل وجودنا؟

للإجابة على تلك الأسئلة، علينا نعيد تعريف العمل على مستويين: الاول: فك ارتباط العمل عن غايته الوحيدة الحالية وهي “إنتاج قيمة اقتصادية في شكل سلع وخدمات“، وثانيا:  برفض استحقاقية ”العالمية“ في الاعتراف، والتعامل مع الجهد باعتباره شيئاً يمكن للشخص الذي يقوم به إدراكه وتقييمه داخلياً.

ما يظهر من إعادة التعريف هذه هو شكل آخر من العمل: عمل منهك ومرهق ومحبط في أحيان كثيرة.

كدح التمرد، وعدم الامتثال، ورفض قبول الوضع الراهن دون نقاش

كدح الشكاوى، والتصنيف كـ”المشكلة”، والاضطرار لشرح موقفك باستمرار دون أن تُسمع أو تُصدَّق.

 كدح التعافي من الإساءة والخسارة والخيانة والفراق. 

كدح الاندماج وإثبات ذلك الاندماج. كدح عيش هوية مزدوجة للانتماء والحصول على إذن ال في المؤسسات. 

كدح فهم الذات وإعادة توجيهها في مراحل الانتقال، وكدح الوعي الذاتي في إدارة واستجواب الفكر والسلوك في كافة المواقف، وتكلفة الحساب الخاطئ من اختزال واستقصاء واساءة وعنف.

هذا هو الكدح المعرفي-الذهني، وما ينتج عنه من جهد تطبيقي جسماني وعاطفي. الكدح لمعرفة وتحديد ماذا نصدق عن ما هو حقيقي وصحيح عن الذات والمجتمعات والحياة والعمل ولماذا.

لكن ان كان ”الحقيقي والصحيح“ لا يُتوصل إليه إلا عبر ”توافق”، وإذا كان هذا التوافق ملزماً بما هو مهم اجتماعياً على المستوى العالمي، فأين يترك ذلك كل من تستقصيهم هذه العالمية الغير شمولية وغير تقاطعية، من نساء ومهاجرين ولاجئين وكويريين؟

هذا الكدح المعرفي-الذهني مألوف جداً لدى تلك الأجساد المستقصاة.

كدح الوصول إلى المعرفة، وإنتاج المعرفة، وإثبات مصداقية تلك المعرفة، ثم إعادة إثبات ذلك مراراً وتكراراً.

جهد العمل النفساني والعاطفي والعصبي والجسماني الداخلي المستمر للتعافي والفهم والحفاظ على الهوية  والتكيف، وجهد الحساب الفكري الدائم لتقديم الذات بلغة وثقافة جديدتين. كدح الاندماج، ثم إثبات ذلك الاندماج بشكل كافٍ.

كدح ترجمة العادات والفكاهة وطرق المعرفة إلى ما هو ”مقبول“.

كدح إثبات الانتماء والكفاءة مرة بعد مرة، وفي مناسبات مختلفة في كل مرة.

كدح فهم الذات خارج السياقين المجتمعي والثقافي التي ننتمي اليهما، بينما يُسخر من تلك السياقات واحتقارها ووصمها بالدونية.

وكما نعرف، لا يتعرض الجميع لهذا الجهد. فبينما نرى أجساداً أخرى — تلك التي تنتمي إلى ذلك التوافق العالمي — تمر عبر المنظومات دون عراقيل تذكر، نحن مشبوهون. يتم ايقافنا وتفتَّيشنا وتأخيرنا واشغالنا بمهام جانبية لإثبات الإنسانية والشرعية. تماماً كنقاط التفتيش التي تختار أجساداً “عشوائياً” للتفتيش الشامل والاستجواب. ولا يقتصر ذلك على المؤسسات الحكومية بل هكذا تعاملنا المؤسسات المجتمعية والمعرفية والمهنية.

هل جهد الانتقال إلى مدينة جديدة هو نفسه لأمريكي وهندي وصلا إلى برلين في نفس اليوم؟ أو فرنسي وألباني؟ هل يحمل كلاهما نفس عبء إثبات الشرعية والترجمة الثقافية وإدارة الهوية؟

هل جهد البدء في دور قيادي جديد هو نفسه لامرأة من النساء الملونات في منصب رفيع ولرجل أبيض في منصب مماثل؟ هل يحتاج كلاهما إلى “فهم الثقافة التنظيمية الداخلية”؟ أم أن السلطة المعرفية والقيادية لأحدهما مفترضة ومثوق بها، بينما سلطة الآخر مشكوك بها مسبقاً؟

يخفى هذا الجهد المعرفي-الذهني في السياقات التي تتطلب عملا إضافيا لكن من دون احتسابه عملا.

نراه في المنظمات والبيئات المهنية التي لا تبغى الربح القائمة على قضايا اجتماعية وسياسية وثقافية، مثل المؤسسات الأكاديمية، والمنظمات النسوية، والمنظمات غير الحكومية. إنه جهد الموظفين الذين يدركون اهمية القضية بالكامل، ويؤمنون بقيمة العمل. وبينما يوصمون بمُعرقلين للعمل و”حاملين السلم بالعرض“، و”عاملين من الحبة قبة“، و ”واخدين الدنيا كتف“، هم من يحملون العبء المعرفي والذهني الثقيل لترجمة قيم القضايا إلى ممارسة، ومن تسليط الضوء على التناقضات بين الهدف المُعلن والثقافة التنظيمية الفعلية. هذا الجهد إما يُستغل من قِبَل المدراء الذين يقدمونه كإنجازاً لهم، أو يُرفض لأنه يتحدى المنظومة القائمة. وفي كلا الحالتين هو الأقل اعترافاً به والأكثر استهلاكاً، لأن “القضية” تسهّل تأطير الاستغلال بوصفه تفانياً وإخلاصاً.

ونراه في مجالات التطوير الذاتي والمهني، حيث يتم ادراج هذا الجهد المعرفي-الذهني – دون الاشارة اليه – خلف “الوعي الذاتي”، الذي يعرَّف كمعرفة نفسك وقيمك ومعتقداتك ومدى ملاءمتك وإدراكك وأثرك في بيئتك.

مجدداً, نرى ان تعريف الجهد بناتجه، لا بما يستلزمه من كدح للوصول إليه، وعليه لا تعترف هذه  المجالات بالجهد الذي يتتطلبه هذا الوعي. لا بل تستخلص السلوكيات الناتجة عنه مثل الإرهاق والشك بالنفس والحيرة وتصفها ”بالعقلية الجامدة“، أو تشخّص ذلك بشكل مختزل ثم تعطي قوالب جاهزة لتغيير العادات ”عليك ان تصبح أكثر أنانية“، ”عليك  استخدام قوة ”لا““، أو ”كيف تكون الشخص الأكثر خطورة في اي غرفة تطئها“. 

وفي كلا الحالتين، يُنكر هذا الجهد ويُعدّ غير ضروري، يعتبر عائقاً للإنتاجية، أو في أحسن الأحوال شرطاً مسبقاً لها، في منظومات ترفض أي قيمة للجهد سوى “إنتاج قيمة اقتصادية في شكل سلع وخدمات”.

والأشد وطأة، ان هذه المنظومات تستخلص ذات الجهد، ثم تعيد صياغته وتغليفه لبيعه كأدوات تقييم ثقافي، وأطر للوعي والتطوير الذاتي في كتب إدارة الأعمال ودورات القيادة.

وعليه تنكر قيمة هذا الكدح على الشخص الذي يبذله، ثم تستخلص وتستغل.

فالسؤال اذن: لماذا تضع تلك ”المعايير العالمية” المشكلة والحل والمسؤولية والمساءلة والذنب على عاتق الشخص، لكن تحتفظ بحق تعريف القيمة لنفسها؟

أين يتركنا هذا؟

أولاً: خرى عالمعايير العالمية.

ثانياً: ماذا يحدث حين نرى ونعترف بقيمة هذا الكدح والجهد المعرفي-الذهني بأنفسنا ولأنفسنا؟

نرى الإرهاق كدليل على هذا الجهد لا على التقصير أو الركود، او الخمول، او عدم الانتاجية.

نرى الحيرة والارتباك المرافق لهذا الكدح استجابة منطقية لعمل بالغ التعقيد، لا كخلل او عيب شخصي.

ويصبح الشك بالنفس دليلاً على جهد يبذل في مواجهة المحو والاختزال، لا دليلاً على انعدام الثقة.

الشجرة سقطت. الاهتزاز تحرك في الهواء. إن لم يصدر “صوتاً كما نعرفه”، فربما علينا أن نوسّع ما نعرفه عن الصوت، وأن نلغي استحقاقية المستقبِل الخارجي ”العالمي“ واحتفاظه بالحق الحاسم لتعريف القيمة.